الشيخ مهدي الفتلاوي

15

نهج الخلاص

وذات مرة كان عليّ عليه السّلام يصف غزو الترك المغول لبلاد المسلمين ، فقال : كأني أراهم قوما ، كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة ، يلبسون السرق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرار قتل ، حتى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقلّ من المأسور . فتصدّى له بعض الحاضرين ، وقاطعه قائلا : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟ ! فضحك عليّ عليه السّلام وقال للرجل وكان كلبيّا : يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب ، وإنما هو تعلّم من ذي علم ، وإنما علم الغيب علم الساعة ، وما عدده اللّه سبحانه بقوله : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ « 1 » ، فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر وأنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقيّ أو سعيد ، من يكون في النار حطبا ، أو في الجنان للنبيين مرافقا ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله ، وما سوى ذلك فعلم علّمه الله نبيّه فعلّمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري ، وتضطمّ عليه جوانجي « 2 » . ويظهر من بعض الوثائق التاريخية والحديثية ، أن عليا عليه السّلام تنبه منذ البداية إلى خطورة هذه التهمة الباطلة ، وعلم أنها لا بد أن تخرج يوما ضده ، من بلاط السلاطين ، يحملها للناس رواتهم ومرتزقتهم ، فتصدى لها باكرا ، وكان دائما يجهر أمام الصحابة في حياة النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم بوراثته علمه دونهم ، فكان يقرأ قوله تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ « 3 » ويقول : . . . والله إني لأخوه ، ووليّه ، وابن عمّه ، ووارث علمه ، فمن أحقّ به منّي « 4 » . وعن زيد بن أبي أوفى ، قال : لمّا آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم بين الصحابة ، قال عليّ : لقد ذهب روحي ، وانقطع ظهري ، حين رأيتك فعلت بأصحابك

--> ( 1 ) سورة لقمان : 34 . ( 2 ) نهج البلاغة : 2 / 10 ، بحار الأنوار 41 / 335 / 56 . ( 3 ) سورة آل عمران : 144 . ( 4 ) مستدرك الصحيحين 3 / 126 ، المعجم الكبير للطبراني 1 / 107 / 176 .